محمد أبو زهرة
3987
زهرة التفاسير
والآن ونحن نرى الاختلاط الفكري بين البشرية ، حتى إن الأمر ليقع في أرض فيذيع خبره ، بعد أقل من ساعة في كل أنحاء الأرض ، لا نعجب في أن يكون بعث الرسول بلغة ويعم علمه بعد ساعة من نهار أو ليل كل بقاع الأرض ، ولكن العجب في أن يكون في الماضي البعث بلغة والدعوة عامة ، هذا ما أثاره وبينه الزمخشري ، وهذا ما قاله سننقله بطوله : « فإن قلت لم يبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى العرب وحدهم ، وإنما بعث إلى الناس كافة قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً . . . ( 158 ) [ الأعراف ] ، بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة ، فإن لم يكن للعرب حجة فلغيرهم حجة ، وإن لم تكن لغيرهم حجة ، فلو نزل بالعجمية لم يكن للعرب حجة أيضا ، قلت : لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها ، فلا حاجة لنزوله بجميع الألسنة ؛ لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل ، فبقى أن ينزل بلسان واحد ، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول ؛ لأنهم أقرب إليه ، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر ، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه ، كما نرى الحال ونشاهد من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم ، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة ، والأقطار المتنازحة والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد ، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه ، وما يتشعب من ذلك جلائل الفوائد وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكذا القرائح فيه من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب ؛ ولأنه أبعد من التحريف ، وأسلم من التنازع والاختلاف . . . » « 1 » . وننتهى من كلام الزمخشري إلى أمرين : أولهما : أن نزول القرآن والدعوة المحمدية كانت باللغة العربية ؛ لأنها كانت لغة النبي صلى اللّه عليه وسلم فكانت أقرب إليه ؛ ولأن القرآن المعجز إذا كان باللغة عانى غيرهم من حفظ لفظه وتفهم معانيه ، وفي ذلك ثواب أولا ، وصون للقرآن عن التغيير والتبديل فيه ثانيا .
--> ( 1 ) الكشاف : 2 / 366 .